السيد كمال الحيدري
235
فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)
ومن ثمّ فإنّ هذا العلم الحصولي بالأشياء قبل الإيجاد لا هو عين الذات ، ولا هو جزء الذات ، إنّما قائم بالذات . ونلاحظ أنّ نظريّة « علم الله بالأشياء قبل الإيجاد علماً تفصيليّاً لكن بنحو العلم الحصولي » لم تقتصر على الفلاسفة وحدهم بل تخطّتهم إلى جمهور المتكلّمين ، كما أشار إلى ذلك السيّد الطباطبائي في نهاية الحكمة حيث يقول بعد بيانه لنظريّة المشّائين : « واعلم أنّ أكثر المتكلّمين على هذا القول » « 1 » . ولكن هذه النظريّة واجهت مشكلات معقّدة لم تقدر أن تتخلّص منها ، ولا أن تدافع عن نفسها إلى أن وصل الدور إلى صدر المتألّهين حيث رأى أنّ هناك ارتباطاً حقيقيّاً بين العلّة والمعلول ، فالمعلول بحسب قوله رقيقة العلّة ، والعلّة تشكّل حقيقة هذه الرقيقة « 2 » .
--> ( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق : ص 292 . ( 2 ) توضيحاً لهذه المصطلحات نقول : عندما يصدر منك شيء ، لابدّ أنّك واجد لهذا الشيء بنحو أقوى من هذا الفعل الذي يصدر منك ، وإلّا فإنّ فاقد الشيء لا يمكن أن يكون معطياً له ، وهذا الفعل الذي صدر منك هل تملكه تكوينياً أم اعتباريّاً ؟ فإنّ الملك الاعتباري قابل للزوال ، أمّا الملك التكويني فهو الملك القائم بغيره ، من قبيل الصور القائمة في ذهنك فأنت تملكها ملكاً تكوينيّاً بالنحو الذي إن غفلت عنها آناً ما صارت عدماً ، فالصور التي ترسمها في ذهنك لو غفلت عنها ستعدم ولا يمكن أن تبقى ، وهذه الموجودات مملوكة ، بمعنى أنّ كلّ مملوك هو مملوك لعلّته ملكاً تكوينيّاً ؛ لأنّ وجوده قائم بعلّته ، ولولا العلّة لما كان للمعلول وجود ، وهذا ما يعبِّر عنه القرآن الكريم ب « الغنى والفقر » حيث يقول : يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ . ومفاد ذلك أنّكم أنتم عين الفقر ، لا أنّكم شيء ثبت له صفة الفقر ؛ لأنّ هناك فرقاً بين أن نقول بأنّ الفقر صفة وهذا الموجود موصوف به ، وبين القول : إنّ كلّ وجودك هو عين الفقر والحاجة والارتباط . / / فالمعلول لابدّ أن تكون العلّة واجدة له بنحو أقوى لا مساو ولا أضعف ، لأنّه من المحال أن تكون بنحو أضعف إذ لا يمكن أن يكون الأضعف علّة للأقوى ، ولا بنحو مساو وإلّا فلماذا تكون علّة وذاك معلولًا ؟ فليكن إذن الأمر معكوساً . فلابدّ إذن أن تكون العلّة واجدة للمعلول بنحو أعلى وأشرف وأكمل وأتمّ ، وهذا ما يعبِّرون عنه بالقول : إنّ المعلول رقيقة لأنّ حقيقته موجودة في ذات علّته . فالعلّة واجدة لهذا المعلول ولكن واجدة له بكماله ، ومن هنا نسمّيها حقيقة هذا الشيء ، ونسمّي هذا الشيء ( المعلول ) رقيقة تلك العلّة . فهذا الموجود في العلّة كان شديداً جدّاً ، وإذا أراد أن يكون معلولًا سيكون أضعف ، فيترقّق ، فالرقيقة إذن أضعف وجوداً من وجود علّتها أو حقيقتها ، وهذا ما عبّر عنه صدر المتألّهين بأنّ كلّ علّة واجدة لكمال المعلول وزيادة .